تكشف مشاهد غرق شوارع حدائق أكتوبر بمياه الصرف الصحي حجم الانهيار الخدمي الذي يُترك سكان المدينة لمواجهته وحدهم، وسط روائح خانقة وبرك ملوثة تهدد الأطفال وكبار السن وتكشف هشاشة البنية التحتية.

 

وتضع استغاثات الأهالي المسؤولين أمام فشل لا يمكن تجميله بالتصريحات، لأن تكرار طفح الصرف يعني أن المشكلة ليست عطلًا عابرًا، بل نتيجة مباشرة لإدارة مرتجلة أهملت الصيانة والتخطيط والمحاسبة.

 

وفي الفيديو المتداول، تظهر المياه الملوثة وقد اجتاحت محيط المساكن والطرق، لتتحول الحياة اليومية إلى معاناة مفتوحة.


 

 

صرف متهالك يطارد السكان

 

فبدل أن تكون حدائق أكتوبر مجتمعًا سكنيًا يوفر الحد الأدنى من الأمان والكرامة، يجد الأهالي أنفسهم محاصرين بمياه الصرف كلما تعطلت الشبكات أو عجزت الجهات المعنية عن التحرك السريع.

 

كما أن طفح الصرف في الشوارع لا يفسد المشهد فقط، لكنه يعطل حركة السكان ويعرّض السيارات للتلف ويجبر الأسر على منع أطفالها من اللعب قرب البيوت خوفًا من المياه الملوثة.

 

ويرى الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة المحلية والمنتقد لغياب الرقابة الحكومية، أن تكرار هذه الوقائع يعكس خللًا إداريًا واضحًا، لأن المرفق العام لا يُدار برد الفعل بعد وقوع الكارثة.

 

وبالتالي، فإن انتظار شكوى الأهالي ومقاطع الفيديو قبل إرسال فرق الإصلاح يكشف غياب المتابعة الوقائية، ويحوّل حق السكان في خدمة أساسية إلى منحة مشروطة بالضجيج والاستغاثة العلنية.

 

ومن ثم، لا يحق للمسؤولين الحديث عن توسع عمراني ناجح بينما تعجز الشبكات القائمة عن استيعاب الاستخدام اليومي، إذ إن أي بناء بلا مرافق قادرة يصبح مجرد كتلة إسمنتية فوق أزمة مؤجلة.

 

وفي المقابل، يدفع السكان ثمن هذا العجز من صحتهم وأعصابهم وأموالهم، بينما لا يعرفون متى ينتهي الطفح أو من يتحمل مسؤولية تكراره أو لماذا تتكرر أعمال الإصلاح دون حل جذري.

 

لكن الأخطر أن الاعتياد على هذه المشاهد يخلق صمتًا رسميًا باردًا، كأن غرق الشوارع بمياه الصرف قدر طبيعي، لا فضيحة خدمية تستوجب التحقيق والمحاسبة وكشف أسباب الإهمال أمام الناس.

 

ولذلك، يحتاج أهالي حدائق أكتوبر إلى جدول معلن لصيانة الشبكات وتوسعتها، لا إلى زيارات عابرة ووعود فضفاضة تختفي بعد انحسار المياه وتعود بلا خجل عند أول ضغط جديد.

 

 

مخاطر صحية بلا حماية

 

وفي ظل تراكم المياه الملوثة، تتجاوز الأزمة شكل الشوارع والروائح الكريهة لتصبح تهديدًا مباشرًا للصحة العامة، خصوصًا عندما تقترب البرك من مداخل البيوت وأماكن تجمع الأطفال والعابرين.

 

كما تحمل مياه الصرف مخاطر انتقال الميكروبات والحشرات وانتشار الأمراض الجلدية والمعوية، بينما يبدو السكان محرومين من إجراءات وقائية واضحة كالتطهير السريع وشفط المياه وتأمين المناطق الخطرة.

 

ويؤكد الدكتور ممدوح حمزة، المهندس الاستشاري والمنتقد لسياسات الإنشاء بلا بنية خدمية متينة، أن تجاهل المرافق الأساسية أثناء التوسع العمراني ينتج أحياءً مأزومة مهما بدت واجهاتها حديثة.

 

وبهذا المعنى، لا يصح فصل غرق حدائق أكتوبر عن سياسة تفضل إعلان المشروعات الضخمة على الاستثمار الهادئ في الشبكات المدفونة، رغم أنها الضمان الحقيقي لصحة السكان واستقرار حياتهم.

 

وعلاوة على ذلك، تتحمل الأسر عبئًا نفسيًا إضافيًا حين تخاف من خروج أطفالها أو مرورهم قرب المياه، بينما لا توفر الجهات المسؤولة أي بدائل مؤقتة أو تحذيرات كافية أو متابعة صحية ميدانية.

 

ثم إن ترك المياه الراكدة لساعات أو أيام يضاعف الكلفة، لأن الضرر لا يتوقف عند حدود الشارع، بل يمتد إلى المداخل والمحلات والخدمات المجاورة ويزيد احتمالات التلوث وتلف الممتلكات.

 

وفي هذا السياق، تبدو الاستجابة المطلوبة أبسط من كل الخطابات، وهي شفط المياه فورًا وتطهير المكان وفحص سبب الانسداد وإعلان نتيجة واضحة للسكان، بدل الاكتفاء بإصلاح مؤقت ينهار لاحقًا.

 

لذلك، فإن حماية الصحة العامة لا تقبل التأجيل ولا المناورات الإدارية، لأن كل ساعة تمر بجوار مياه الصرف تعني تعريض عائلات كاملة لخطر كان يمكن منعه بإدارة مسؤولة ومنظمة.

 

 

محاسبة غائبة ووعود مستهلكة

 

وفي جوهر الأزمة، لا يطالب الأهالي بمعجزة أو رفاهية استثنائية، بل بمرفق يعمل بصورة طبيعية وبجهة مسؤولة ترد قبل أن تتحول الاستغاثة إلى فيديو ينتشر ويحرج الجميع.

 

كما يوضح عبد الخالق فاروق، الباحث الاقتصادي والناقد لسياسات الإنفاق العام، أن غياب الشفافية في إدارة الخدمات يترك السكان بلا وسيلة لمعرفة أين ذهبت الأموال المخصصة للصيانة والتطوير.

 

ومن هنا، يصبح السؤال واجبًا عن خطط الإحلال والتجديد، وكفاءة المقاولين، وحجم المبالغ المنفقة، ولماذا تستمر الأزمات نفسها رغم كثرة الرسوم التي يدفعها السكان مقابل خدمات لا تصل بالمستوى المطلوب.

 

وبينما يتحدث المسؤولون عادة عن الإنجاز والتطوير، تكشف مياه الصرف في الشوارع الفرق الفادح بين الصورة الدعائية والواقع، إذ لا قيمة لأي وعود إذا كان السكان يختنقون داخل مناطقهم.

 

كذلك، يحتاج المتضررون إلى آلية شكاوى معلنة تضمن سرعة الاستجابة ومتابعة التنفيذ، لا إلى دوامة من الاتصالات والانتظار والتنقل بين الجهات، في وقت تتسع فيه المياه الملوثة أمام البيوت.

 

ثم إن المحاسبة لا تعني إصدار بيانات غامضة أو إلقاء اللوم على السكان، بل تحديد المسؤول عن التقصير وإعلان الإجراءات المتخذة لمنع التكرار، حتى لا تتحول المدينة إلى اختبار دائم لصبر أهلها.

 

وفي النهاية، يثبت فيديو حدائق أكتوبر أن الصرف الصحي ليس تفصيلًا ثانويًا يمكن تجاهله، بل معيار صارخ لمدى احترام السلطة لحق الناس في بيئة نظيفة وحياة لا تهددها الإهمال كل يوم.